الأحد، 19 يناير 2014

مهمة قذرة

(مشهد 1 - ليل داخلي؛ شقة في أطراف المعادي)
إعتدلَ كارل في جِلسته و هو يراقبُ في شغف  ما تبثه إحدى القنوات الشهيرة ...
كان مراسل البرنامج يصرخ بشدة محاولاً إيصال صوته للمشاهد للتغلب على الضوضاء الناجمة عن أصوات إطلاق رصاص؛ كان الناس يعدون في غير نظام ٍ هرباً من مصدر إطلاق الرصاص.
المراسل كان يجزم أن الشرطة تطلق الرصاص الحي على المتظاهرين الذين وصفهم بأنهم كانوا سلميين تماماً بشكل لا يستدعي حتى تدخل قوات الأمن ...
يتلقى البرنامج إتصالات هاتفية بعضها يسب القناة لأنها فقدت الحيادية لأنهم كانوا يرون المسلحين يعتلون اسطح العمارات فيما أكد البعض أنها حتماً الشرطة .
البعض حاول إظهار قدر من التعقل قائلاً أنه لايمكن أبدا ً إثبات من يطلق النار في الوقت الراهن....

(مشهد 2 - ليل داخلي؛ نفس الشقة)
خفض كارل من صوت التلفاز و خرج يشرب شاياً من النوع المصري المحلي و جلس على مقعد خشبي يعود ربما إلى ثمانينيات القرن الماضي.
لم يكن يستغرب الوضع في مصر بعد الثورة ...
لم يكن يستغربه لأنه ببساطة أحد صناعه !
في مصر هنا اسمه "الحج عبد اللطيف" و قد خضع لأربع عمليات تجميل حتى لايمكن تمييزه عن المصريين ؛ وكان لا يترك مناسبة إلا و يسب فيها النظام.
أي نظام !!!ّ
كل من في الحكم و مهما كان من على الكرسي !
كان يقول أنهم يجب قتلهم في ميدان التحرير ؛ مبارك و المجلس الأعلى للقوات المسلحة ؛ مرسي ؛ شفيق ؛ و أخيرا ً السيسي و عادلي...

لكن عمله لم يكن يقتصر على مجرد إطلاق السباب ...
كان له عمل آخر سري !

(مشهد 2 - ليل داخلي ؛ نفس الشقة)
كارل يرد على تلفون ثريا ...
كارل : السلام عليكم و رحمة الله
المتحدث: و عليكم السلام يا حاج . آآآآ . بابشرك إن بنت أختك جابت ولد
كارل : ماشاء الله و ابوه هايسميه إيه؟
المتحدث : ودي تيجي برضه يا حجيج؟ انت اللي هاتسميه ، ابوه قال كده
كارل : خلاص على البركة ، انت إن شاء الله في القهوة بالليل؟
المتحدث : إن شاء الله على الساعة 9 بالليل
كارل : إن شاء الله جايلك يا حبيبي
المتحدث : بحبك في الله يا شيخ . ماتتأخرش
تجاهل كارل جملة بحبك في الله و هو يقول : لا مش هاتأخر إن شاء الله ، فيه حد يتأخر على حبيبه... سلام
المتحدث : سلام

 أنهى كارل المكالمة وهو يتحسس لحيته الغزيرة التي أطلقها منذ سنوات ؛ وهو يسترجع هذه المكالمة ، كانت المكالمة تعني بالنسبة له أن عملية اليوم تمت بنجاح و قتل البعض من "أعداء الله" في نظر منفذي العملية أو "بعض" المصريين في نظره هو ؛ فهو لم يفرق بين مصري و آخر .

كانت تعني أيضاً أنهم يحتاجون إلى أموال ... كانت القهوة تعني محطة مترو البحوث أما الساعة التاسعة فكانت تعني الواحدة ظهراً يوم الثلاثاء القادم.

سنتين كاملتين لم يشك فيه أحد ؛ جيرانه يتحاشونه لأنه متعصب لرأيه ، كما أنه يتحدث في الدين كما لو كان منفر ؛ كان أعتاد أن يرسم  تقطيبة فوق جبينه و هو يتحدث !!
أما الآخرين من جماعته الجهادية التي كونها و أشرف عليها بنفسه فكانوا ينظرون إليه بإعتباره بطلاً "يبذل نفسه وماله في سبيل الله" بإعتبار أن الآخرين لايطبقون شرع الله ولذا وجب مجاهدتهم ؛ لم لا ؟ أليسوا هم العدو القريب ؟؟
و الآخر هنا أي أحد خارج مجموعته : مسلمين و نصارى يطلقون عليهم صليبيين و يهود وأي أحد ...

عاد كارل إلى أريكة قديمة في شقته المكونة من غرفتين وصالة و رفع قدميه عليها ؛ حيث بدت تحتهما قدمان مشعرتان من تحت جلبابه القصير.
كانت مهمته التي كلفها به مخابرات وطنه تقتصر على جملة من كلمتين "نشر الفوضى" و بالنسبة له كانت أسهل وسيلة هو «القتل» ؛ أقتل أكبر عدد ممكن من كل الأطراف ، عندها لن يثق أحد في أحد!

سيكون للكل ثارات عند الكل
سيغضب الكل من الكل
لن يشعر أحد بالأمان
ستتربى أجيال كاملة على ثقافة الخوف

و وسط كل هذا الإقتصاد سيتهاوى حتماً
ولابد حتى تنجح مهمته من دعم كل التيارات في كل المجالات إعلامياً ؛ فتح قنوات و جرائد و إذاعات و مواقع إنترنت ..
و وسط كل هذا التشويش لن تدرك من يقتل من !
لن تدرك ابداً من بدأ الأمر...
مع الوقت سيتحول الموضوع إلى دائرة يصعب الخروج منها
سيشك الجار في جار و يقاطع الأخ أخاه وينبذ الأبن أباه!
و وسط كل هذا أيضاً لن تجد من يسمع لأي رأي سديد.
إن آلة الموت تدور و معاها تُلـغـَى كل العقول.

(مشهد 3 - ليل داخلي نفس الشقة)
اطفأ كارل كل أضواء الشقة و جلس وحيداً في الظلام يدخن سيجارا ً من نوع غير مصري ؛ كان يفكر بالخطة المقبلة التي إن نجحت ستقلب مصر رأساً على عقب ..
فكر في كل شئ ؛ المنفذون ؛ خطة التحرك و ساعة الصفر
كان يدخن بنهم و شراهة

و في قلب الظلام
كان يشتعل لهيب السيجار بشدة
لم يكن كارل يسمح له أن يخفت و لو قليلا ً
و كانت السيجارة تحترق ...
ولا زالت تحترق ..
حتى الآن  ...ز